الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
90
مختصر الامثل
« وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيّينَ عَلَى بَعْضٍ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا » . هذا التعبير القرآني جواب على أحد أسئلة المشركين وشكوكهم ، حيث كانوا يقولون - بأسلوب استهزائي - لماذا انتخب اللَّه للنبوة محمّد اليتيم ، ثم ما الذي حصل حتى أصبح هذا اليتيم ليس نبياً وحسب ، وإنّما خاتم الأنبياء . القرآن يقول لهؤلاء : لا تعجبوا من ذلك ، لأنّ اللَّه عليم بقيمة كل إنسان ، وهو سبحانه وتعالى ينتخب أنبياءه من بين عامّة الناس ، ويفضّل بعضهم على بعض ، إذ جعل أحدهم ( خليل اللَّه ) والآخر ( كليم اللَّه ) والثالث ( روح اللَّه ) ، أمّا نبينا فقد أنتخبه بعنوان ( حبيب اللَّه ) . وباختصار : لقد فضّل اللَّه بعض النبيين على بعض لموازين يعلمها هو وتختص بها حكمته جلّ وعلا . بالرغم من أنّ داود عليه السلام كان له حكم عظيم ودولة كبيرة وملك واسع ، إلّاأنّ اللَّه سبحانه لم يجعل هذه الأمور سبباً لإفتخاره ، بل اعتبر كتاب الزبور فخره ، حتى يدرك المشركون أنّ عظمة الإنسان ، ليس لها علاقة بالمال والثروة ووجود الحكومة والسلطة ، كما أنّ اليتم والفقر ليس مدعاةً للذل أو دليلًا على الحقارة . الآية التي تليها تستمر في اتجاه الآيات السابقة ، إذ تقول للرسول صلى الله عليه وآله أن يخاطب المشركين بقوله تعالى : « قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا » . إنّ هذه الآية - كما في آيات أخرى كثيرة - تبطل منطق المشركين وتضرب صميم عقيدتهم من هذا الطريق ، وهو أنّ عبادة الآلهة من دون اللَّه ، إمّا بسبب جلب المنفعة أو دفع الضرر ، في حين أنّ الآلهة التي يعبدونها ليس لها القدرة على حل مشكلة معينة أو حتى تحريكها ؛ أي نقل المشكلة من مستوى معين إلى مستوى أقل . إنّ استخدام تعبير « الذين » في هذه الآية لا يشمل جميع المعبودات التي يشركها الإنسان مع اللَّه ( كالأصنام وغيرها ) بل يشمل الملائكة والمسيح وأمثالهم . بعد ذلك تؤكّد الآية التالية على ما ذكرناه في الآية السابقة ، فتقول : هل تعلمون لماذا لا يستطيع الذين تدعونهم من دون اللَّه أن يحلّوا مشاكلكم ، أو أن يجيبوا لكم طلباتكم بدون إذن اللَّه سبحانه وتعالى ؟ الآية تجيب على ذلك بأنّ هؤلاء أنفسهم يذهبون إلى بيت اللَّه ، ويلجأون للتقرب من الذات الإلهية المقدسة لقضاء حوائجهم وحلّ مشاكلهم وتحقيق ما